كون الله يسمح بوجود الشر والظلم لا يعني أنه يرضى عنه أو أنه عاجز عن منعه فيه فرق بين السماح بالشيء وبين إقراره لو كان الإنسان مسلوب الإرادة وكل شر يُمنع لحظيًا، فمعنى المسؤولية والاختيار والأخلاق نفسها بيختلف
وفلسفيًا لو كان العالم خاليًا تمامًا من إمكانية الشر، فهل يكون للخير قيمة أخلاقية أصلًا؟ الشجاعة مثلًا ما يكون لها معنى إذا ما كان فيه خوف، والعدل ما يكون له معنى إذا ما كانت هناك إمكانية للظلم، والرحمة ما تظهر إلا بوجود من يحتاجها
ومن المنظور الإسلامي، الدنيا أصلًا ما قُدّمت لنا باعتبارها المكان اللي تتحقق فيه العدالة النهائية القرآن يقول: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾. فالدنيا دار ابتلاء، وليست دار الجزاء الكامل. قد يظلم إنسان ويموت بدون ما يُعاقب، وقد يُظلم إنسان ويموت بدون ما يأخذ حقه؛ لكن هذا لا يعني أن العدالة لم توجد، بل يعني أن حساب الدنيا مو نهاية القصة.
وهنا تظهر فكرة الآخرة: لو ما فيه حياة أخرى، ففكرة العدالة المطلقة نفسها تصير مشكلة فلسفية؛ لأن فيه مظالم ما يمكن لأي نظام دنيوي أن يصلحها بالكامل. أما إذا كانت هناك آخرة وحساب، فالمظلوم يأخذ حقه والظالم يُحاسب، حتى لو ما ظهر ذلك أمامنا في هذه الحياة
والأهم: وجود الشر ما يثبت أن الله غير موجود، مثلما وجود المرض ما يثبت أن الطبيب غير موجود السؤال الحقيقي مو: «هل يوجد شر؟» بل: هل وجود الشر يتعارض منطقيًا مع وجود إله قادر وعادل؟ وهنا الجواب: لا، إلا إذا افترضنا مسبقًا أن الإله العادل يجب أن يمنع كل شر فورًا، وهذا الافتراض نفسه يحتاج إلى إثبات.
فوجود عالم فيه ظلم لا ينفي وجود العدالة الإلهية؛ ربما المشكلة أننا نطلب من الدنيا أن تكون محكمة نهائية، .. بينما التصور الإسلامي يقول إنها مجرد مرحلة من القصة

